أحمد بن علي القلقشندي

266

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فقال وقوله الحق * ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله والَّذِينَ مَعَه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) * ( 1 ) إلى قوله * ( مَغْفِرَةً وأَجْراً عَظِيماً ) * فمن غاظوه كفر وخاب وفجر وخسر . وقال اللَّه جل وعز * ( لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ الله ورِضْواناً ) * إلى قوله * ( رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) * ( 2 ) فمن خالف شريطة اللَّه عليه لهم وأمره إياه فيهم فلا حقّ له في الفيء ، ولا سهم له في الإسلام في آي كثيرة من القرآن ، فمرق مارقة من الدين . وفارقوا المسلمين وجعلوهم عصين . وحزبوا أحزابا ، أشابات وأوشابا ( 3 ) . فخالفوا كتاب اللَّه فيهم فخابوا وخسروا الدنيا والآخرة . ذلك هو الخسران المبين . أفمن كان على بيّنة من ربّه كمن زيّن له سوء عمله واتّبعوا أهواءهم . مالي أرى عيونا خزرا ( 4 ) ، ورقابا صعرا ، وبطونا بجرى ( 5 ) ، شجى لا يسيغه الماء ، وداء لا يشرب فيه الدواء . أفنضرب عنكم الذّكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين . كلَّا واللَّه بل هو الهناء والطَّلاء حتى يظهر العذر ، ويبوح السرّ ، ويضح العيب ، ويشوس ( 6 ) الجيب . فإنكم لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى ، ويحكم إني لست أتاويّا ( 7 ) أعلَّم ، ولا بدويا أفهمّ . قد حلبتكم أشطرا ، وقلَّبتكم أبطنا وأظهرا . فعرفت أنحاءكم وأهواءكم ، وعلمت أن قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم ، وأسروا الكفر في قلوبهم ، فضربوا بعض أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم ببعض ، وولَّدوا الروايات فيهم ، وضربوا الأمثال ، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أبنائهم أعوانا

--> ( 1 ) سورة الفتح / 29 . ( 2 ) سورة الحشر / 8 . ( 3 ) الأشابات والأوشاب والأوباش هم الاخلاط من الناس والرّعاع . ( اللسان 1 / 214 - 796 ) . ( 4 ) التي تنظر باستخفاف واستعلاء ( اللسان 4 / 236 ) . ( 5 ) البطون الكبيرة العظيمة . ولعلها بباء مضمومة إذا جاءت من بجر ، بفتح الجيم المعجمة ؛ أو لعلها من بجر ، بكسر الجيم المعجمة ، ومعناها امتلأ بطنه من الماء واللبن الحامض ولسانه عطشان . ( اللسان 4 / 39 ) . ( 6 ) وهو الميل بجماع الصدر . ( انظر مادتي : ش وس وج ي ب في اللسان ) . ( 7 ) الأتاويّ هو الغريب الذي ليس في وطنه .